ابن الفارض

125

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

بطريق الوجدان والمعاينة ، فاتّبع طريقتي وشريعتي لتفوز بما تريد ، وأضاف الشريعة إلى نفسه على سبيل الحكاية عن المقام المحمّدي ، أو لأنها مسلكه إلى ربّه ، ولمّا كان شربه الخاص مشاهدة الذات التي هي مصدر جميع العلوم ، وأعذب المشارب بمثابة صدا التي هي أعذب مشارب العرب وأهنأها ، ومشرب العلماء الرسمية الذين هم عن درك الحقائق بمعزل العلوم الفكرية والوهمية الحاصلة بطريق التعلّم والمباحثة كشراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وندبوه إلى موافقتهم في قواعد علومهم ، قال : فمنبع صدا من شراب نقيعه * لديّ فدعني من سراب بقيعة ( صدأ ) : ماء عذب فرات تضرب بعذوبته مثلا ، يقول : ( ماء ولا كصدّ ومرعى كالسعدن ) ، وهو نبت ذو شوك يسمن الإبل فمنبع مبتدأ خبره من شراب ، و ( صدأ ) ممدود قصر للضرورة ، و ( بقيعة لدى ) جملة اسمية وقعت موقع صفة لشراب ، و ( النقيع ) عين كثير الماء ، والقيعة اسم لأرض مستوية سهلة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، ثم قال : [ 154 / ق ] ودونك بحرا خضته ، وقف الألى * بساحله ، صونا لموضع حرمتي ( بحرا ) منصوب ب ( دونك ) من أسماء الأفعال بمعنى خذ ، و ( الألى ) هنا مقلوب من الأول جمع وإلي مثل أخرى ، وآخر ، ومنه قولهم : « ذهبت العرب الألى » « 1 » ، ويحتمل أن يكون موصولا حذفت صلته ، كقولهم بعد اللتيا والتي إيذانا أن المشار إليهم بالأولى علا وصفهم عن البيان ، وصونا منصوب على المفعول له متعلق بوقف أمر المسترشد بأخذ شربه الخاص الذي خاض فيه ، ووصفه بأن السابقين من العارفين وقفوا بساحله ، ولم يخوضوا لجّة صيانة لحرمتي ، فإنه وهب لي خاصا ، وهذا القول أيضا مما حكى به عن المقام المحمّدي بلسان الجمع ، وقوله : ولا تقربوا مال اليتيم إشارة * لكفّ يد صدّت له إذ تصدّت أي قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [ الأنعام : الآية 152 ] ، إشارة إلى كف يد متعرّضة للاغتراف من هذا البحر ممنوعة مجرومة عنه ، وأراد بهذا البحر الرّؤية التي منع عنها موسى - عليه السلام - ب لَنْ تَرانِي [ الأعراف : الآية 143 ] ، وخصّ به محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وأفراد من أتباعه لما ورد به الخبر أنه لما أفاق موسى عليه السلام من

--> ( 1 ) الآلية : كل اسم إلهي مضاف إلى ملك أو روحاني .